أدت السياسات المتشددة التي انتهجتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في ملف الهجرة إلى أزمة حادة في قطاع الزراعة الأمريكي، بعد أن تسبب ترحيل مئات الآلاف من المهاجرين في نقص كبير في اليد العاملة داخل الحقول والمزارع، في وقت لم تطرح فيه الإدارة حلولًا دائمة لمعالجة هذا الخلل البنيوي في سوق العمل الزراعي.
منذ مطلع العام، قامت إدارة ترامب بترحيل أكثر من 500 ألف شخص، كما ألغت عددًا من البرامج التي كانت تسمح للمهاجرين بالعمل بشكل قانوني، مما تسبب في اضطرابات واسعة في القطاعات الزراعية المعتمدة على العمالة الأجنبية. ويرى محللون أن هذه الإجراءات تنذر بتراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار المواد الغذائية، في ظل عزوف الأمريكيين عن تولي هذه الوظائف الشاقة.
اقرأ أيضا: برنامج التدريب الصيفي في ألمانيا 2026 | ممول بالكامل للطلاب الدوليين
في محاولة لتدارك الأزمة، أجرت الإدارة الأمريكية تعديلات على برنامج تأشيرات العمال الزراعيين الأجانب المعروف باسم H-2A، ووصفت تلك التغييرات بأنها “حل مؤقت” لتخفيف النقص في الأيدي العاملة. إلا أن البرنامج توقف مؤقتًا مع بدء الإغلاق الحكومي في الأول من أكتوبر نتيجة خلافات سياسية حول الموازنة، ما أدى إلى تعليق إصدار التأشيرات وتأخير معالجة الطلبات. وأشارت وزارة العمل الأمريكية إلى أن استمرار التعليق لفترة طويلة قد يؤدي إلى “تفاقم أزمة العمالة الزراعية وتعطيل الإنتاج”.
وفقًا لبيانات حكومية، فإن نحو 44% من العاملين في القطاع الزراعي هم من غير الموثقين، ما جعل حملات الترحيل الجماعي تؤثر مباشرة على سلسلة الإمدادات الغذائية الأمريكية. وفي ولايات رئيسية مثل كاليفورنيا وبنسلفانيا، اضطر عدد من المزارعين إلى ترك أراضيهم دون حصاد أو بيع ماشيتهم بسبب نقص العمال. كما قدّر مركز بيو للأبحاث أن حوالي 750 ألف مهاجر غادروا سوق العمل منذ بداية العام، وهو ما يهدد بانكماش القوة العاملة على المستوى الوطني.
عبّر ممثلو المزارعين عن مخاوفهم من أن برنامج H-2A لا يقدم سوى حلول محدودة الأثر. وقال جون والت بوترايت، مدير الشؤون الحكومية في اتحاد المزارعين الأمريكيين، إن البرنامج “غير مستدام”، لكنه يظل الخيار الوحيد المتاح حاليًا للمزارعين في غياب إصلاحات شاملة. وأضاف أن بعض القطاعات، مثل صناعة الألبان، غير مشمولة في البرنامج، مما يجعلها أكثر عرضة للأزمة.
في الوقت نفسه، واصلت إدارة ترامب تطبيق حملات واسعة ضد المهاجرين. فقد أصدر البيت الأبيض خلال الصيف أوامر بتكثيف مداهمات الهجرة، ليصل معدل الاعتقالات إلى ثلاثة آلاف شخص يوميًا، بحسب تقارير إعلامية. وأدت هذه الإجراءات إلى حالة من القلق والخوف داخل المجتمعات الزراعية، فيما حذر مسؤولون سابقون من أن استمرار هذه السياسة قد يؤدي إلى إغلاق المزارع الصغيرة وزيادة الاعتماد على الشركات الزراعية الكبرى القادرة على تحمّل كلفة العمالة الموسمية أو الاستثمار في الأتمتة.
رغم اعتراف وزارة العمل الأمريكية بأن نقص العمالة قد يسبب اضطرابات في سوق الغذاء، إلا أن الحكومة اقترحت خفض “معدل أجر الأثر السلبي” الذي يُدفع لعمال التأشيرات، مبررة ذلك بأن ارتفاع الأجور يضر بتنافسية المزارعين. غير أن مراقبين رأوا أن هذا القرار قد يؤدي إلى زيادة هشاشة أوضاع العمال الأجانب ويجعل القطاع أقل جاذبية للعمالة المؤهلة.
اقرأ أيضا: الدراسة في الصين: منحة دراسية كاملة التمويل مقدمة من جامعة شنغهاي جياو
وبسبب غياب جلسات الكونغرس منذ منتصف سبتمبر، لا يبدو أن هناك تحركًا تشريعيًا وشيكًا لمعالجة الأزمة أو لتبسيط نظام استقدام العمالة الأجنبية. كما رفض معظم أعضاء لجنة الزراعة في مجلس النواب التعليق على تأثير الإغلاق الحكومي على المزارعين.
وفي محاولة لتخفيف الضغط، أعلنت وزارة العمل عن تأسيس “مكتب سياسات الهجرة” بهدف تسريع إجراءات إصدار تأشيرات العمالة الزراعية وتنظيم برامج العمل الموسمية. إلا أن خبراء اعتبروا أن هذا الإجراء يبقى ذا تأثير محدود في ظل استمرار الانقسام السياسي حول قضايا الهجرة وعدم وضوح الرؤية المستقبلية للإصلاحات.
وبينما تتواصل عمليات الترحيل والمداهمات، يواجه المزارعون في مختلف أنحاء الولايات المتحدة خطر فقدان عمالهم ومصادر رزقهم. وفي الوقت الذي تراهن فيه الإدارة الأمريكية على حلول قصيرة المدى عبر تأشيرات العمل الموسمية، يحذر اقتصاديون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى أزمة غذاء أعمق ويزيد اعتماد البلاد على الواردات الزراعية في السنوات المقبلة.
المصدر: Investigate Midwest.

















